د. راغب السرجاني
سيادةالرئيس
لا شك أنَّ هذا التاريخ الأسود كان سببًا في كراهية عميقة لك في وجدان الشعب المصريكله، وفي وجدانالشعوب العربية والإسلامية، بل لا أبالغ إن قلتُ أنَّ هذه الكراهية صارت في قلب كل حر في العالم! لقد كان الجميعينتظر من مصر الكثير والكثير.. ولكن للأسفوجدوها في حاجة للعون، ولا طاقة لها بعون أحد..
وتعمقت الكراهية أكثروأكثر عند رؤية الشعب لخطواتك الحثيثة التى تسعى لتوريثابنك الحكم من بعدك.. فهذه إشارة أنَّ الشعب سيعيش هذا الضنك، وهذه الإهانة لعدة عشرات أخرى منالسنوات، خاصة وأنالسنة الإلهية الماضية أن أعمار الظالمين تطول جدًا، وجلهم يتجاوز السبعين والثمانين!
هذا وغيره جعل الناسيكرهونك، بل لعلهم لم يكرهوا في حياتهم رجلاً مثلك!
هذه علامة خطيرة ياسيادة الرئيس! ولا أقصد خطورة الدنيا فقط.. لا أقصد خطورةتربص الشعب لك، ورغبته الأكيدة في الفتك بك، ولكني أقصد شيئًا آخر قد تكون أهملت النظر لهطيلة عمرك، وهو أنَّ هذا البغض الجماعي لك قد يكون علامة بغض الله لك! وهذا ليسمستغربًا، فلا شك أنَّ الله يبغض كل الفراعين والطواغيت، وقد قال رسول الله صلى اللهعليه وسلم: ".. وَإِذَاأَبْغَضَ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ إِنِّي أَبْغَضْتُ فُلَانًا فَيُنَادِي فِي السَّمَاءِ ثُمَّتَنْزِلُ لَهُالْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ"..
والواقع –يا سيادةالرئيس– أنَّ البغضاء قد نزلت لك في الأرض!
وأنا واحد من أفرادالشعب الذي يكرهك.. لكني أحمل لك شعورًا إضافيًا قديستغربه كثير من الناس، بل قد تسغربه أنت شخصيًا.. وهو شعور الشفقة!
لعلك تقول: وهل يشفقالناس على الطواغيت؟
أقول لك: نعم!. في بعضالأحيان نعم!
أشفق على رجل تجاوزالثمانين يسير معصوب العينين، وقد طُمس بصره وبصيرته، إلىنهاية بائسة، يُلقى فيها في حفرة قبره، ليبدأ الحساب العسير على سنوات البغي والضلال..
لو تؤمن يا سيادةالرئيس بالبعث والنشور ما طاب لك طعام ولا شراب، فالناسجميعًا سيحاسبون على أنفسهم وأهلهم، وأنت ستحاسب على شعب كامل!
يا لهول ذلك الأمر!
لا أعتقد أنَّ واحدًامن المنافقين الذين أحطت نفسك بهم نبَّهك إلى حقيقة هذاالأمر، مع أن بعضهم يعمل في "وظيفة" شيخ!
ماذا أعددت يا مسكينلسؤال ربك؟
ماذا ستقول لربك عنعشرات الآلاف من المعتقلين ظلمًا دون قضية ولا محاكمة؟
ماذا ستقول عن تكريسأكثر من نصف مليون إنسان لحماية شخصك، مع كل ما يتطلبهذلك من أموال، ومن إهدار طاقات وأوقات؟
ماذا ستقول عن الملايين الذين جاعوا في عهدك، وقد تحولت ثروات البلد إلى جيبك وجيوبالمقربين منك ومنأولادك؟
ماذا ستقول عن مواقفكالمخزية من قضايا المسلمين حولك.. تشارك في حصار غزة.. تتركالسودان وحيدًا أمام قوى العالم الباغية.. تجري وراء أمريكا في أي وادٍ تهيم فيه.. تصادقالصهاينة.. تعادي المسلمين؟
ماذا ستقول عن "جهاز أمن الدولة" الذي صيَّرته جهازًا "لفزع" الدولةوالشعب؟ والذيلم يعد له همٌّ إلا الطغيان والعدوان وترسيخ الظلم والخوف، وممارسة التعذيب والإذلال؟
ماذا ستقول عن الغازالذي بعته لعدوك، والبلد التي بعتها لأصحابك؟
بل ماذا ستقول عن شرعالله الذي عزلته عن حياة الناس، وعن كتاب الله الذي تركتهوأهملته؟
أواه يا سيادة الرئيس!
إنك في موقف تعيس!
هل تتخيل مصيرك الذيتسير إليه مسرعًا..
قال رسول الله صَلَّىاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِالرِّجَالِ يَغْشَاهُمْالذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ تَعْلُوهُمْ نَارُالْأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِأَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الْخَبَالِ"..
يا سيادة الرئيس.. قدأعذر الله إليك، وقد أمد لك في العمر حتى يعطيك فرصةالتوبة، ولكنك ما زلت متشبثًا بالمصير التعيس!
قال رسول الله صَلَّىاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَسَنَةً"..
وأنت بلغت الستين منذأكثر من عشرين سنة! ألم تنتبه؟!
لعلك كنت تتمنى أنتسمع هذا الكلام في أول عهدك، فقد كانت أمامك فرصة أنتكون من تكون من المقربين إلى الله إذا عدلت في حكمك.. فقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظِلِّهِيَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، وذكر في أولهم: إِمَامٌ عَادِلٌ..".. ولكن للأسف لم يسمعك أحد هذاالكلام؛ لأنك –للأسف– اخترت بطانة السوء، والحاكم يكون منالبطانة التي اختارها، فليس هناك -كما يظن بعض السذج- رئيس صالح لا يدري عن الفساد في بلدهشيئًا، والكل يسرقمن حوله وهو نظيف! ليست هناك هذه الصورة المضحكة، بل يقول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا مِنْوَالٍ إِلَّا وَلَهُ بِطَانَتَانِ، بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُبِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَاهُ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَبِطَانَةٌ لَا تَأْلُوهُ خَبَالًا،فَمَنْ وُقِيَ شَرَّهَافَقَدْ وُقِيَ، وَهُوَ مِنْ الَّتِي تَغْلِبُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا"..
وما العمل يا سيادةالرئيس؟
هل ضاعت الفرصة، وصارالطريق حتميًا إلى جهنم؟!
الواقع –الذي لا يشفيصدور الناس– لا!!
هناك فرصة..
نعم ليست طويلة لأنكبلغت من الكبر عتيًا، ولكنها موجودة على كل حال..
أن تتوب إلى الله!
هل تعرف هذا المصطلح: التوبة؟
لا شك أنه جديد علىالقصر الرئاسي، فقليلاً ما يتوب المتكبرون، ولكن صدقنيهناك فرصة! وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ الرجل الذي قتل مائة من البشر قد غفرالله له عندما حققالتوبة الصادقة.. نعم عدد قتلاك يتجاوز هذا الرقم بكثير، لكن العبرة بصدق التوبة لا بحجم الجريمة.
وعليهفإني أنصحك –وأنا والله لك ناصح أمين– بما يأتي:
أنصحك ألا تسوف فيالتوبة، فالموت يأتي بغتة..
وأنصحك أن ترحل فورًادون تسويف أيضًا.. ارحل قبل أن تراق المزيد منالدماء.. ارحل قبل أن ينقلب عليك جيشك الذي سمح بكتابة عبارات الكراهية لك على دباباته ومصفحاته.. ارحلقبل أن يفتك بكشعبك وعندها لن تجد وقتًا للاعتذار.. ارحل فورًا ولا تكن بطيئًا في التفكير..
وأنصحك أن تعيد للشعبما أخذته منه بغير وجه حق على مدار السنين، فليس لك إلاالمخصصات القانونية التي يكفلها الدستور للرئيس، والشعب لا يمانع أن تأخذ راتبًا كالذي يأخذهرئيس أكبر وأغنىدولة في العالم، لكن لا تأخذ فوقه شيئًا، وأنا أعلم أن إعادتك للمليارات من الدولارات أمر صعب، لكن الأصعب منه هوالحساب على هذه الأموال، ولا أقصد حساب الشعب، ولكن أقصد حساب القبر، وهو –بالنظر إلى عمرك– قريب للغاية!
وأنصحك أن تتفرغ بقيةعمرك لقراءة الكتاب العظيم الذي لم تلتفت إليه في حياتك،وهو القرآن الكريم، وستدرك حينها كيف ضيَّعت على نفسك وعلى شعبك فرصة هداية كبيرة.
وأنصحك أن تخاطب شعبكخطابًا متواضعًا تعتذر فيه عن فساد نظامك، وتعتذر للشعبعن تزوير إرادته دومًا، فأصحاب الحقوق عندك كثيرون، وكلهم سيأخذ من حسناتك.
وأنصحك أن تجمع ولديكوتحذرهم من سوء الخاتمة، فأنت تعلم أن الموت لا يفرق بينكبير وصغير، وعليك –إن كنت حريصًا على مصلحتهم– أن تدربهم على التوبة من ذنوب القهر والتزويروغيرها من أخطاءفي حق الشعب، فالأمر –والله– جلل.
والله –يا سيادةالرئيس– أنا لك ناصح أمين.. لا أسألك عليه مالاً.. إنأجري إلا على الله.. ولن يصيبني إلا ما كتب الله لي..
فستذكر –أيها الرئيس– ما أقول لك، وأفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد..
والسلام عليكم ورحمةالله وبركاته..
0 التعليقات