ابن خلدون وابتكار علم الاجتماع
د. راغب السرجاني
في مجال العلوم الإنسانيةوالفكرية كان للمسلمين دور بارز ورائد؛ حيث ابتكروا علومًا راقية تهمُّالجانب الاجتماعي الإنساني، وكذلك ابتكروا علومًا مهمَّة خاصَّة بالشريعةالإسلامية، وأخرى خاصَّة باللغة العربية.
تعريف علم الاجتماع
يُعَرِّفُ معجم مصطلحات العلوم الاجتماعيةعلمَ الاجتماع بأنه: "دراسة وصفية تفسيرية مقارنة للمجتمعات الإنسانية،كما تبدو في الزمان والمكان؛ للتوصُّل إلى قوانين التطوُّر، التي تخضع لهاهذه المجتمعات الإنسانية في تَقَدُّمِهَا وتَغَيُّرِهَا"[1].
موضوع علم الاجتماع
وتبدأالظواهر الاجتماعية بالتفاعل بين شخصين أو أكثر، والدخول في علاقاتاجتماعية، وحينما تدوم هذه العلاقات وتستمرُّ، تشكِّل جماعات اجتماعية،وتُعَدُّ الجماعات الاجتماعية من المواضيع الأساسية التي يدرسها علمالاجتماع.
وهناك موضوع آخر يدرسه علم الاجتماع، يتمثَّلفي العمليات الاجتماعية؛ كالصراع، والتعاون، والتنافس، والتوافق، والترتيبالطبقي، والحراك الاجتماعي. كما أن التغيُّر في الثقافة وفي البناءالاجتماعي، أحد ميادين الدراسة في علم الاجتماع، كما أن هناك النُّظُمالاجتماعية، وهي الأساليب المقنِّنة والمقرِّرة للسلوك الاجتماعي، وكذلكالشخصية، وهي العامل الذي يُشَكِّل الثقافة، ويتشكل من خلالها[2].
ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع
علىالرغم من أن التفكير الاجتماعي قديم قِدَمَ الإنسان نفسه، إلاَّ أنالاجتماع الإنساني لم يصبح موضوعًا لعلمٍ إلا في فترة لاحقة، وكان أَوَّلمَنْ نَبَّه إلى وجود هذا العلم، واستقلال موضوعه عن غيره، ووضع أسسه،وابتكره، هو العلاَّمة المسلم ابن خلدون!
فقدصرَّح في عبارات واضحة أنه اكتشف علمًا مستقلاًّ، لم يتكلَّم فيهالسابقون؛ إذ يقول: "وكأن هذا علم مستقلٌّ بنفسه، فإنه ذو موضوع، وهوالعمران البشري والاجتماع الإنساني، وذو مسائل؛ وهي بيان ما يلحقه منالعوارض والأحوال لذاته، واحدة بعد أخرى، وهذا شأن كل علم من العلوم،وضعيًّا كان أو عقليًّا"[3].
ويقولأيضًا: "واعلم أن الكلام في هذا الغرض مُسْتَحْدَث الصنعة، غريب النزعة،أَعْثَر عليه البحث، وأدَّى إليه الغوص... وكأنه علم مستنبط النشأة،ولعمري! لم أقف على الكلام في منحاه لأحدٍ من الخليقة، ما أدري: ألغفلتهمعن ذلك، وليس الظنُّ بهم؟ أو لعلهم كتبوا في هذا الغرض، واستوفوه، ولم يصلإلينا؟"[4].
كماأنه لم يكتفِ بذلك، بل دعا القادرين إلى استكمال ما نقص منه، فقال:"ولعلَّ مَنْ يأتي بعدنا -ممن يُؤَيِّده الله بفكر صحيح، وعِلْـمٍمُبِينٍ- يغوص في مسائله على أكثر مما كتبنا، فليس على مستنبط الفنِّإحصاء مسائله، وإنما عليه تعيين موضع العلم، وتنويع فصوله، وما يُتَكَلَّمفيه، والمتأخِّرُون يُلْـحِقُون المسائل من بعده شيئًا فشيئًا إلى أن يكمل"[5].
وإضافةً إلى ذلك فإن مقدمته شملت على أقلِّ تقدير سبعة من فروع علم الاجتماع المعاصر، ناقشها ابن خلدون في وضوح تامٍّ[6].
ولكن على الرغم من ذلك، وعلى الرغم من قول عالم الاجتماع النمساوي الشهير جمبلوفتش: "لقد أردنا أن ندلِّلَ على أنه قبل أوجست كونت[7]،بل قبل فيكو الذي أراد الإيطاليون أن يجعلوا منه أول اجتماعي أوربي، جاءمسلم تقيٌّ، فدرس الظواهر الاجتماعية بعقل مُتَّزِنٍ، وأتى في هذا الموضوعبآراء عميقة، وإن ما كتبه هو ما نسمِّيه اليوم علم الاجتماع"[8].على الرغم من ذلك كله، فإن التأريخ لعلم الاجتماع يقف عند الفرنسي كونتباعتباره المنشئ الأول لهذا العلم، ويتجاهل بذلك المؤسِّس الحقيقي لهذاالعلم، الذي نبَّه عن وعي وفي وضوحٍ إلى اكتشافه لهذا العلم[9].
وقد شهد المنصفون بأن أوجست كونت استمدَّ كثيرًا من آرائه ونظرياته من مقدمة ابن خلدون[10]!
فابنخلدون يُمَثِّل نقطة تَحَوُّلٍ في كتابة التاريخ الإنساني، وفي تأسيسهلعلم الاجتماع، قد هزَّ الفكر الإنساني العالمي بذلك؛ إذ وضع خُطَّة جديدةوآراء جديدة، بل وضع قوانين جديدة يمكن تطبيقها، وتنسحب على كل المجتمعاتالبشرية، انطلاقًا من أنَّ الإنسان لا يعيش إلاَّ في مجتمع، وإذا عاش فيمجتمع؛ فلا بُدَّ أن يعيش مع شعب، وإذا عاش مع شعب لا بُدَّ أن يعيش علىأرض، ولكي تَظَلَّ العلاقة قائمة بين هؤلاء الناس، أو القبائل، أو الشعب،أو هذه المجموعة البشرية؛ لا بُدَّ من أن ينظِّمَها حاكم؛ وأنواع الحاكمتدرَّجَتْ من حاكم بسيط (شيخ قبيلة) إلى حاكم مُطْلَقٍ، استطاع أن يستخدمكل الوسائل التي هيَّأها له هذا التجمُّع البشري، أو هذا العمران، واستطاعأن يستغلَّ هذا ويصبح هو الحاكم المطلق، وإذا أصبح حاكمًا مطلقًا استطاعأن يؤسِّس دولة، فإذا أسَّس الدولة التي طبَّق عليها ابن خلدون نظريته؛مرَّت الدولة بمراحل مختلفة، هذه المراحل وجدت صحَّة في التطبيق في واقعالحياة[11].
ابن خلدون حياته ونشأته
ويهمُّناهنا أن نُلْقِيَ بعض الضوء على ابن خلدون، منشئ هذا العلم؛ فهو أبو زيدعبد الرحمن بن خالد (خلدون) الحضرمي، مولده بتونس في غرة رمضان (732هـ)،ورحل إلى فاس، وغرناطة، وتلمسان، والأندلس، كما تَوَجَّهَ إلى مصر، حيثأكرمه سلطانها الظاهر برقوق، ووَلِيَ فيها قضاء المالكية، وظلَّ بها مايناهز ربع قرن (784-808هـ)، حيث تُوُفِّيَ ودُفِنَ في مقابرها عن عمر بلغستة وسبعين عامًا[12].
وقدنشأ ابن خلدون في بيت علم ومجد عريق، وحفظ القرآن في وقت مبكِّر منطفولته، وكان أبوه هو معلِّمه الأول، كما درس على يد مشاهير علماء عصره،وقد اتجه إلى الوظائف العامَّة بعد موت عامَّة أساتذته في الطاعون الذيأصاب بلادهم، والتحق بوظيفة كتابيَّة في بلاط بني مرين، ولكنها لم تكنلتُرْضي طموحه، وعَيَّنه السلطان (أبو عنان) - ملك المغرب الأقصى - عضوًافي مجلسه العلمي بفاس، فأُتِيحَ له أن يعاود الدرس على أعلامها من العلماءوالأدباء، الذين نزحوا إليها من (تونس)، و(الأندلس)، و(بلاد المغرب).
مقدمة ابن خلدون
بسطابن خلدون في المقدمة كل ما لديه من علم ومعرفة، فجاءت شيئًا ثمينًا، بلمتقدِّمة جدًّا على العصر الذي كُتِبَتْ فيه، وهي تحتوي على ستَّة فصولكما يلي:
الأول: في العمران البشري: وهي تقابل (علم الاجتماع العام)، وقد درس ابن خلدون ظواهر المجتمع البشري، والقواعد التي تسير عليها المجتمعات.
والثاني: في العمران البدوي، وقد درس الاجتماع البدوي، كاشفًا أهمَّ خصائصه المميِّزة، وأنه أصل الاجتماع الحضري وسابق عليه.
والثالث: في الدولة والخلافة والمُلْك: وهو يقابل (علم الاجتماع السياسي)، وقد درس قواعد الحكم، والنُّظُم الدينية، وغيرها.
والرابع:في العمران الحضري: وهو ما يقابل (علم الاجتماع الحضري)، وقد شرح جميعالظواهر المتَّصلة بالحضر، وأصول المدنية، وأن التحضُّر هو غاية التمدُّن.
والخامس: في الصنائع والمعاش والكسب: وهو ما يقابل (علم الاجتماع الاقتصادي)، وقد درس تأثير الظروف الاقتصادية على أحوال المجتمع.
والسادس: في العلوم واكتسابها: وهو ما يقابل (علم الاجتماع التربوي)، وقد درس الظواهر التربوية، وطرق التعلم وتصنيف العلوم.
كما درس ابن خلدون الاجتماع الديني والقانوني، رابطًا بين السياسة والأخلاق[14].
والحقيقةالظاهرة أن أحدًا قبل ابن خلدون لم يَعْرِض لدراسة الظواهر الاجتماعيةدراسة تحليلية أَدَّتْ إلى نتائج ومُقَرَّرَات مثل تلك التي أَدَّتْ إليهادراسة ابن خلدون، ذلك أن المفكِّر المسلم الفقيه درس الظواهر الاجتماعيةمن خلال الإخبار التاريخي السليم، مثلما يدرس العلماء علوم الفيزياء،والكيمياء، والرياضيات، والفلك، وهو بذلك يكون أول مَنْ أخضع الظواهرالاجتماعية لمنهج دراسي علمي، انتهى به إلى كثير من الحقائق الثابتة التيتشبه القوانين، وعليه فإن ما توصَّل إليه ابن خلدون من نظريات يظلُّ عملاًرائدًا في ميدان الدراسات الاجتماعية في مسيرة الفكر الإنساني[15].
د. راغب السرجاني
المصدر : موقع قصة الاسلام
[1] أحمد زكي بدوي: معجم المصطلحات الاجتماعية ص4.
[2] انظر: منصور زويد المطيري: الصياغة الإسلامية لعلم الاجتماع - الدواعي والمكان ص28، 29.
[3] ابن خلدون: المقدمة 1/38.
[4] المصدر السابق، الصفحة نفسها.
[5] المصدر السابق 1/588.
[6] انظر: حسن الساعاتي: علم الاجتماع الخلدوني ص28- 35.
[7]هو أوجست كونت August Count (1798 - 1857م) : فيلسوف فرنسي، مؤسس الفلسفةالوضعية، ومؤسس علم الاجتماع الغربي، عمله الرئيسي: (دروس في الفلسفةالوضعية) .
[8] نقلاً عن مصطفى الشكعة: الأسس الإسلامية في فكر ابن خلدون ونظرياته ص198.
[9] منصور زويد المطيري: الصياغة الإسلامية لعلم الاجتماع ص23، 24.
[10] عبد الواحد وافي: دراسة مقدمة ابن خلدون، نقلاً عن: عبد الله ناصح علوان: معالم الحضارة في الإسلام وأثرها في النهضة الأوربية ص48.
[11] سهيلة زين العابدين: نظرية الدولة عند ابن خلدون، مجلة المنار، الأعداد 75، 76، 77، سنة 1424هـ.
[12] الزركلي: الأعلام 3/330.
[13] المصدر السابق 3/330، ومصطفى الشكعة: الأسس الإسلامية في فكر ابن خلدون ونظرياته ص21 وما بعدها.
[14] انظر: نعمان عبد الرزاق السامرائي: نحن والحضارة والشهود 1/120.
[15] مصطفى الشكعة: الأسس الإسلامية في فكر ابن خلدون ونظرياته ص77، 78.
0 التعليقات