جديد المدونة

هل ستندم أمريكا على قتل بن لادن ؟

هلستندم أمريكا على قتل بن لادن ؟

شريف عبد العزيز

هل ستندم أمريكا على قتل بن لادن  
قد تختلف معه أكثر مما تتفق، قد تراه أحد أكبر أبطال الإسلام، وقد يراهالبعض سببًا مباشرًا لنكبات المسلمين في العشرين سنة الأخيرة، قد يؤيده فريق وقديعارضه آخرون، ولكن لا يملك أشد أعدائه وخصومه ومبغضيه، فضلاً عن مؤيديه، إلا أنيثنوا على ثباته على مبادئه، وتخليه عن الحياة الناعمة والثروة الطائلة من أجل نشرفكرته التي يؤمن بها ويعتنقها، وهي الأمور التي جعلت أسامة بن لادن واحدًا من أكثرالشخصيات المعاصرة تأثيرًا ونفوذًا على مجرى الأحداث، وظل لسنوات طويلة يتصدرقائمة الشخصيات الأكثر نفوذًا وتأثيرًا في وسائل الإعلام العالمية.

ولعلالسر وراء هذا التأثير والنفوذ والأهمية، لا يعود للعمليات الجريئة والمدوية التيقام أتباعه في أمريكا وأوربا وفي بعض الدول العربية ووسط وشمال إفريقيا وجنوب شرقآسيا فحسب، ولكن لأمر آخر يعرفه جيدًا المتخصصون فيأيدلوجية وحركية تنظيم القاعدة؛ فابن لادن قد استطاع أن يؤسس فكرة رائدة تحمل قدرًاواسعًا من ذاتية الحركة والانتشار؛ وهي فكرة الجهاد ضد العدو الصليبي واليهودي فيكل بقاع العالم، وهي الفكرة التي تحولت واقعًا عمليًّا ممثلاً في العديد منتنظيمات وجماعات العمل المسلح المنتشرة عبر العالم في خلايا عنقودية وأخرى نائمة ضدأمريكا وحلفائها..

فالأشخاصقد يموتون، والتنظيمات قد تتفكك، ولكن الأفكار الخلاقة السيادية من الصعب جدًّا أنتموت، وتذهب بذهاب أصحابها، فالأفكار والمناهج السائدة الآن في العالم على الأصعدةالسياسية والاقتصادية والاجتماعية، هي أفكار مات أصحابها ومؤسسوها منذ قرون، ومازالت أفكارهم وآثارها حية، وذكر أصحابها حيًّا، وأسامة بن لادن من هذا النوع؛ ففكرتهأبدًا لن تموت بموته، ولن تسقط بسقوطه، وهذا ما يدفعنا للتساؤل عقب هذه الفرحةالعارمة التي اجتاحت صفوف الأمريكيين والأوربيين وحلفائهم لمقتل أسامة بن لادن، هلسيندم الأمريكان على قتلهم لأسامة بن لادن؟

كثيرٌمن المحللين يرى أن أمريكا لم تكن تريد قتل بن لادن، بل كانت تريد أن تعتقله، وتمارسعليه كل صنوف الضغوط والحرب النفسية؛ للتأثير والنيل منه وإهانته قدر استطاعتها، ومنثَم التأثير على أتباعه في كل مكان في العالم، وخطة القتل لم تكن في الحسبان إلاللضرورة القصوى؛ لأن أمريكا تعلم جيدًا مغبة الإقدام على قتل شخص بحجم ورمزيةأسامة بن لادن، وغاية مخططاتها أن تفعل معه مثلما فعلت مع صدام، اعتقال ثم محاكمةثم إعدام؛ لأن قتله بهذه الصورة سيرفعه عند أتباعه لمصاف الشهداء، وسيكون باهظًاجدًّا بالنسبة للأمريكان.

وكالةالمخابرات الأمريكية CIA أعلنت منذ عدة أيام أن التحقيقات التي أجريت مع الذراع الأيمنلأسامة بن لادن، خالد شيخ محمد قد كشفت أن تنظيم القاعدة قد خبأ قنبلة نووية منأجل تفجيرها حال القبض على زعيم التنظيم أو قتله، وهو التصريح الذي كان يحملالعديد من المضامين والتوقعات المستقبلية عن آثار وتداعيات مثل هذا العمل الكبير، وفيخطوة استباقية لما يمكن أن يقع من جراء هذه العملية، كان أوباما قد صرح في خطابفجر اليوم أن المخابرات الأمريكية كانت تراقب مكان اختباء أسامة بن لادن منذ شهرأغسطس الماضي، وأن المعلومات اللازمة لخطة الهجوم للاعتقال -وليس القتل كما حدث- وأسراروتفاصيل العملية لم يتكشف حتى الآن.

بلإننا لا نستطيع أن نجزم بوقوعها بهذا السيناريو؛ لأن مصدرها الوحيد هم الأمريكان، وقدسبقوا وأعلنوا عن مثل هذا النوع من العمليات من قبل، وإن كان أغلب الظن أنها قدوقعت بالفعل.. أوباما في ثنايا افتخاره بالحادث، قال: إن قواتنا قد لاقت مقاومةعنيفة وشرسة من جانب أسامة بن لادن ومن معه، والصور التي نقلتها وكالة الأنباءالباكستانية (جيو) لموقع الحادث كشفت عن حجم دمار كبير، مما يوحي أن العملية قداستخدمت فيها الأسلحة الثقيلة والطائرات؛ لأنه من الطبيعي جدًّا أن يكون أسامة بنلادن ورفاقه مسلحين تسليحًا عاليًا لمواجهة المخاطر والتهديدات الدائمة وليستالمحتملة فحسب، والدليل على ذلك ما ذكره مراسل قناة "الجزيرة" في إسلامآباد: أن عددًا من المسئولين العسكريين الباكستانيين قالوا: إن مروحيتين تابعتينللجيش الأمريكي شاركتا في العملية الخاصة، وسقطت إحداهما وقتل من فيها، إلا أن تلكالمعلومات لم تؤكد بعدُ من مصدر رسمي، وللتأكيد على أن التنظيم ما زال باقيًا وأنعلى الأمريكان توقع الكثير من الأيام الصعبة، شدد أوباما على أن القاعدة ستواصلهجماتها ضد الولايات المتحدة.

وهنالنا أن نقول: هل ضحَّى الرئيس الأمريكي أوباما بأمن واستقرار وسلامة المواطنالأمريكي من أجل نيل تذكرة عبور للبيت الأبيض لفترة ثانية، خاصة وأن الانتخابات قدباتت على الأبواب؟

فمقتلأسامة بن لادن في الأعراف الدولية والسياسية يعتبر أمرًا ثانويًّا مقارنةبالتهديدات الأخرى الأشد خطرًا، فالرجل قد أصبح ومنذ فترة طويلة رمزًا وملهمًاللعديد من الجماعات والتنظيمات الجهادية، لا يوجد أدنى تواصل أو تنسيق بينه وبينهذه الجماعات والتنظيمات المنتشرة في كل مكان في العالم.. نعم لأمريكا ثأر معالرجل لا تمحوه السنون، ولكن أمريكا يفترض فيها أنها دولة مؤسسات وسياساتواستراتيجيات نفعية في المقام الأول، تضع يدها اليوم في يد ألد أعدائها بالأمس، وتتخلىعن أقرب حلفائها بالأمس من أجل مصلحة اليوم، وهكذا.. ولا معنى عندها للمشاعروالرغبات إذا تعارضت مع مصالحها.

بلإن تنظيم القاعدة بات منذ فترة وخاصة في أعقاب الثورات العربية الأخيرة بعيدًا عنالصورة، وقد خفتَ تأثيره وبريقه لحد كبير، بعد أن توارت الأنظمة الديكتاتورية أوالعدو القريب على حد أبجديات الأيدلوجية الجهادية عند منظري التنظيم، والتنظيم لميقم بضربات فعلية مؤثرة تجاه أمريكا منذ فترة طويلة، وما يقع الآن على أرضأفغانستان وباكستان هو من صنع حركة طالبان لا القاعدة، فلمَ إذن إثارة العالم كلهبموجة كبيرة وواسعة من ردود الأفعال العنيفة والمتوقعة من جراء قتل بن لادن؟!

وأوبامابقتله لأسامة بن لادن قد حقق من وجهة نظره عدة مكاسب سياسية قد تعطيه دفعة كبيرةفي سباق التجديد على الرئاسة الأمريكية، فهو أولاً قد حقق ما عجز عنه عدة رؤساءأمريكان من أول بوش الأب حتى بوش الابن، وكسب الرهان على تنفيذ ما وعد به في أولرئاسته بأن يجعل الحرب على تنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن أولويته القصوى، كماأنه قد رمَّم بهذا الحادث شعبيته المتداعية من جرَّاء الانهيارات الاقتصادية التيتعرضت لها أمريكا أيام رئاسته، وهي الانهيارات التي منعته من تحقيق الإصلاحات التيوعد بها في ميادين التأمين الصحي والرعاية الاجتماعية والتعليم وخفض الضرائب، وأهممن ذلك كله أنه قد وجه ضربة ساحقة لكل من يتهمه بالحنين لأصوله الإسلامية، خاصةتنظيم حفلة الشاي الجمهوري المتطرف الذي يشن حربًا على أوباما، متهمًا إياهبالإسلام، وأبان أوباما عن إخلاصه لنصرانيته وأمريكا، وكلها أمور ستجعل الناخبالأمريكي في الانتخابات المقبلة يتردد كثيرًا قبل أن يصوت لمنافس أوباما الذي حققالمعجزة!

فيحين يري البعض أن قتل بن لادن نصر استراتيجي مؤزر لأمريكا حققت به أهدافًا كبيرةعلى المدى الطويل، ووجهت به ضربة مؤثرة وربما قاضية لتنظيم القاعدة، وذلك أنأمريكا قد رأت أن التنظيم سيتخلى بالتدريج عن سياسته في العمليات المسلحة داخلالدول العربية والإسلامية بعد تسونامي الثورات العربية والإسلامية التي اجتاحتوتجتاح رءوس الفساد والطغيان في العالم العربي والإسلامي؛ مما سيفتح الطريق أمامسهولة التجنيد في هذه الدول لأفراد جدد ينضمون للتنظيم في ظل غياب القبضة الأمنيةالقاسية للأنظمة الاستبدادية، وهذا كله سيصبُّ في خانة التركيز على العمل ضدأمريكا في الجبهات المتقدمة، وداخل أمريكا وأوربا نفسها، وستشهد أمريكا وحلفاؤهاموجة جديدة من العمليات المؤثرة، بعد القضاء على العدو القريب (الأنظمةالاستبدادية).

ومهمايكن لأمريكا من دوافع وأسباب لهذا الحادث، فإن أمريكا وحلفاءها وعلى رأسهم باكستان،التي ستكون أول حليف لأمريكا سيشهد موجات انتقامية عنيفة لمقتل أسامة بن لادن، ربماتطال رءوسًا كبارًا في المنطقة من المتورطين في التحالف مع أمريكا، وقد يأتي اليومالذي يكتشف فيه أوباما أنه قد أخطأ خطأ كبيرًا بتنفيذ مثل هذه العملية، ويندمعليها؛ لأن الثمن والمقابل سيكون فادحًا، وربما يأتي اليوم الذي يتساءل فيهالمواطن الأمريكي عن الدوافع الحقيقية لقتل الشيخ أسامة بن لادن، ويصب فيه اللعناتعلى أوباما وإدارته التي تاجرت بأمن وسلامة أمريكا من أجل الحفاظ على الكرسي!!

المصدر:موقع مفكرة الإسلام.

 

Tags: , ,

نبذة عنى:

اسمى : محمد صالح مصطفى أعمل معلم كمبيوتر نبذة عنى : مسلم مصرى أحمل هم هذة الامة وهم الدعوة الى الله أرجوا الله أن يرزقنى الاخلاص فى القول والعمل وأن يرضى عنى

0 التعليقات

أترك تعليق

جديد المدونة