جديد المدونة

أسلمة العَلمانية



مقال بقلم : فهد بن صالح العجلان
ساعدني -أيها القارئ الكريم- لتخطِّيالتفاصيل الكثيرة التي تثيرها مفردة (الأسلمة)، وأمتع بصرك معي بالمعنىالجميل الذي يبهر الناظرين في جمالية هذه الأسلمة، ما أروع انجذاب النفوسإلى دينها وحرصها الشـديد على انسجام حياتها مع ما يريده الله منها، إنحضوره العميق يجعل أي سلوك أو منتَج مخالف للدين سبباً لإثارة الوخزوالتأنيب الذي يشتعل في الضمائر فلا يتوقف إلا بإصلاح هذا السلوك، وهو ماأحيا أي مشاريع تسعى للأسلمة مهما كان اختلافنا في تقويمها.

لمتقف ظاهرة الأسلمة على البحث في مشروعية بعض المنتجات والمتغيراتالمعاصرة، بل شملت حتى الأفكار والاتجاهات المنحرفة، فالصوت الفكري الذيكان يقدم نفسه ندّاً للخطاب الإسلامي ويسلك مساراً معاكساً للرؤيةالدينية، رجع صداه ليبحث في التراث والنصوص والأقوال الإسلامية عما يسنداتجاهاته لتكون مقبولة لدى الناس، فشملتهم ظاهرة الأسلمة في من شملت، فللهدر المسلمين أيُّ عظمة للإسلام تسكن في ثنايا نفوسهم.

المثير للانتباه: أن ظاهرة الأسلمة شملت حتى الفكرة العَلمانية ذاتها،فالفكر العَلماني الذي نشأ منابذاً للخيار الإسلامي تحديداً، ما دار عليهالزمان حتى صار العَلمانيون يقدمون أنفسهم مجتهدين في فهم النص الشرعيومستمسكين بتفسير من تفسيراته معتمدين على أقوال المذاهب وفتاوى العلماء.

يعني هذا: أن جمال هذه الأسلمة يجب أن لا يخدع العين عن إبصار أشكالالتحريف التي تأتي على الأحكام الشرعية في ثناياها، بغضِّ النظر عنالدوافع النبيلة التي قد تحركها.


أسلمة العَلمانية تأتي على مستويين:

مستوى العلمانية المتطرفة: التي تحتفظ بموقف عدائي تجاه الدين وتشمئز منكافة مظاهر للتدين، فهذه عَلمانية مكشوفة وغير جذابة، ومحاولةُ أسلمتهابجعلها غير معادية للإسلام عملية استهلاك رخيصة لا تتجاوز في تأثيرها حدودمساحة التصوير التي تتحرك فيها.

مستوى العلمانية الأقل تطرفاً: وهي التي تتفهم وجود الدين، وتؤمن بضرورةمراعاته مكوناً للمجتمع في ما دون مستوى القانون والإلزام، فهو موجودخياراً شخصياً وقيماً محفِّزة نحو العمل والتنمية، لكنه مقصىً تماماً عنالتأثير على القوانين أو الحريات أو أي تفسير لها.

هذه الدرجة العَلمانية هي المفهوم الخطر الذي تسرَّبت مفاهيمه لدى بعضالناس من دون أن يشعر، حتى جاءت بعض المحاولات والتفسيرات التي تسعى لأنتجعل مثل هذا التصور العَلماني مقبولاً ومفهوماً في التصور الإسلامي،فاندفعت مجموعة من التفسيرات المختلفة التي تسعى لتقديم النظام السياسيالإسلامي بكيفية متلائمة مع هذا التصور العَلماني.


من هذه التصورات المؤسلِمة للعلمانية:

التصور الأول: أن النظام السياسي في الإسلام جاء بمبادئ وكلِّيَّات عامةولم يأت بأحكام وتشريعات محدَّدة، فالواجب هو تطبيق المبادئ العامة: منالعدل والحرية والشورى والمساواة، وأما كيفية ذلك، فهذا مما يُختلَف فيتقديره كل عصر.

وهذا تصوُّر لذيذ جداً للفكرة العلمانية، لأن مشكلتهم مع بعض الأحكاموالتفصيلات الشرعية، وأما المبادئ والكليات فمن خاصيتها أنها واسعة ومرنة،يمكن الدخول والخروج منها بكلِّ اطمئنان، وحين نقول: إن الإسلام جاءبمبادئ ولم يأتِ بتشريعات. فنهاية هذا الكلام: أن الإسلام لم يأتِ فيالنظام السياسي بشيء، لأن هذه الكليات موجودة عند كل الأمم والحضارات، ولايوجد أحد في الدنيا لا يأخذ بهذه المبادئ، غير أن لكلِّ ثقافة تفاصيلهاومحدِّداتها لهذه المفاهيم، وحين نلغي الأحكام الشرعية المفصَّلة لهذهالمبادئ فإننا في الحقيقة قد ألغينا الحكم الإسلامي، ولهذا قال شيخالإسلام ابن تيمية: "من استحلَّ أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلاً منغير اتباعٍ لما أنزل الله فهو كافر" [1]، لأنه في الحقيقة لم يأخذ منالإسلام بشيء، فالكليات معنى ذهنيٌّ تجريديٌّ لا يقوم بدون تفصيلاتوتفريعات.

يقولون: نأخذ بـ (الكليات دون الجزئيات) و بـ (الأصول دون الفروع) أو بـ(المبادئ دون التشريعات) و بـ (المقاصد دون الوسائل)... كلها صيغ مختلفةلإشكالية واحدة، إشكالية إبعاد بعض الأحكام الشرعية عن التأثير، وحينتبتعد الفروع والجزئيات فإن الكليات والمقاصد التي يؤتى بها تكون مقاصدوكليات أخرى ليست هي الكليات والمقاصد الشرعية، فالمقصد الشرعي والكليالشرعي معتمَد ومفسَّر بجزئياته وفروعه الشرعية[2].

لا تقل: هـذا حكم جزئي أو ظني أو مختلَف فيه، فأبداً -والله- لا يمكن أنيهون في قلب مسلم إبعادُ أو تحريفُ أي حكم شرعي لأي سبب كان وهو يقرأ قولهتعالى: {وَمَا كَانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْـخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب:36].


التصور الثاني: أن النظام السياسي في عصر الإسلام كان يقوم على رابطةدينية مرتبطة بظرف ذلك الزمان، وقد تغير هذا الوضع في عصرنا، فأصبحتالرابطة التي تجمع أفراد الناس هي الرابطة الوطنية لا الدينية، وحينهافكافة الأحكام الشرعية المتعلقة بالجانب السياسي هي أحكام تاريخية، ومعهاسيتم التخلص من إشكالية حضور الدين في النظام السياسي.

وحين نمسك خيوط لوازم هذا القول فلن نصل إلى نهايتها إلا بعد أن نكون قدنكثنا الغزل عن رسالة الإسلام بالكلية، لأن بإمكان أي أحد أن يلغي أي حكمشرعي أراد بسبب أن هذا الحكم كان مرتبطاً بظرف زمني قد انتهى، بل حتىالصلاة والزكاة والصيام والحج يمكن أن يقال: إنها عبادات نشأت في ظرف زمنيكان الناس فيه بحاجة إلى التعبد بطريقة معيَّنة[3]. فحقيقة هذا القول أنهفرع من تفسير تاريخية النص، الذي يجعل النص الشرعي فاعلاً في مكانه وزمانهوما عاد له وجود في هذا الزمان كما هي رؤية العَلمانية المتطرفة.

هذا التفسير يتصور أن الدين كان هو رابطة المسلمين في ذلك الزمن مصادفةوتوافقاً مع الظرف التاريخي ليس إلا، فهو في الحقيقة -وإن لم يرد- ينطقبالمفهوم العَلماني في جعل الدين علاقة فردية لا تتصل بالسلطة، فحينارتبطت فإنما كان لظرف زمني معيَّن.

لازم هذا الكلام: أن أحكام الشريعة المتعلقة بالكفار والجهاد والحرياتونحو هذه المعاني الدينية المحضة، إنما كانت استثناء فرضتها ظروف ذلكالزمان، فهذا يستبطن انتقاصاً لها، حيث لم يلتزم بها المسلمون لكمالهاوشرفها، وإنما لحال زمانهم فقط، وهي تنظر للإسلام بالعين العَلمانية التيلا تفقه من مصالحها إلا ما كان متعلقاً بمعيشتها الدنيوية {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}[الروم: ٧]، وتنسى في غمرة انبهارها بالنموذج السياسي المادي: أن المصالحالدينية هي الأصل والغاية في رسالة الإسلام تحقيقاً لغاية الله في الخلق {وَمَا خَلَقْتُ الْـجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] فمصلحة الدين هي الأصل في الرسالة، وليست استثناء عارضاً جاء لظروف الزمان.


التصور الثالث: أن الإسلام ليس فيه إلزام وإكراه وإجبار، وإنما هو اختيارورغبة، فهو دين دعوة لا قضاء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس إلانصحاً وتذكيراً وليس فيه منع أو إلزام. وتسير معهم في هذا المضمار حتى تصلوإياهم إلى أنه لا وجود لإلزام أو منع منطلق من رؤية دينية، فيتم تخفيضالحكم الإسلامي من خاصية القانون والنظام إلى مستوى النصح والتذكيروالدعوة، وهو مستوى يروق جداً للنخب العَلمانية لكنه منابذ لشريعة مَنيقول: «من رأى منكم منكراً فَلْيغيره بيده...»فجعل أُوَلى درجات التعامل مع المنكرات هو التغيير بالقوة، وليس ثَمَّإشكال في تقييد استعمال القوة لتكون بيد السلطة، أو يكون ثَمَّ ضوابطللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن هذا كله إن أدى إلى إزالة خاصيةالمنع والإلزام في النظام السياسي فهو في الحقيقة قماش أسلمة يستر المحفورمن العلمَانية.


التصور الرابع: لا شك بوجود أحكاممتعلقة بالنظام السياسي غير أن كونها محرَّمة أو واجبة لا يجعلها قيدالتنفيذ إلا بعد أن يقرها الناس ويختاروها، أما قبل اختيار الناس فلا يتمفرض أي حكم مهما كان، ليس لأنه غير شرعي، بل لأن الفرض السياسي يحتاج هوإلى مشروعية أخرى، وهي تحديداً لا تكون مستمدة إلا من الناس.

هذا التصور يقوم على اعتبار أن ثَمَّ مشروعيتين: مشروعية دينية يكون النصهو الذي يفسرها، ومشروعية سياسية تأتي وتُستمَد من الناس، وهذه فلسفةمنبثة عن الوعي العَلماني الذي يعزل الدين عن الحكم السياسي فيجعلمشروعيته منفكة عن المشروعية السياسية، وأما في التصور الإسلامي فليسثَمَّ مشروعيتان، إنما هي مشروعية واحدة، فما حرَّمه الله فهو حرام علىالفرد والمجتمع، وما أوجبه الله فهو واجب على الفرد والمجتمع، فدور الناسهو تنفيذ الأحكام الشرعية لا في تشريعها ابتداء. فالمحرمات الشرعية يجبمنعها والواجبات الشرعية يجب القيام بها، والمسلم حين يدخل في الإسلامفإنه ضرورة يكون ملتزماً بأن الإسلام هو الذي يحكمه فلا حاجة لأن يسأل أويبحث معه عن رغبته في حكم الإسلام.

هذا التفسير يثير شهية العَلمانيين كثيراً، لأنه أولاً: ينطلق من ذاتالوعي العلماني الذي يقزِّم الحكم الشرعي عن المستوى السياسي، وثانياً:لأن الذكاء العلماني مستوعب أن الناس لا يختارون في الفضاء المجرد، وإنمايوضَع لهم الإطار المقيد الذي يصوتون فيه ولا يخرجون عنه، فحين يقومالإسلاميون بإبعاد الشريعة عن الإلزام إلا بعد اختيار الناس فالذي يحصل هوأن الشريعة لم تعد هي التي تضع الإطار، ليكون من السهل جداً بعدها أن تأتيالمنظومة الفكرية الأخرى التي تملأ هذا الإطار الذي يصوت الناس فيه، فيكونإطار التصويت بيد المنظومة الفكرية الليبرالية، وحينها فلن يُعرَض الحكمالشرعي -أساساً- على الناس لينظر في اختيارهم، لأن الحكم الشرعي سيكونحينها منافياً للحريات والحقوق التي تحكمها المنظومة العَلمانية التي وضعتالإطار الذي يحكم اختيار الناس.


هذه بعض التفسيرات المؤسلِمة للفكرة العلمانية، تتفق جميعاً على محاولةالتلفيق بين النظام السياسي الإسلامي والفلسفة العلمانية، لكنها تصطدمبالأحكام الشرعية الملزمة في النظام السياسي الإسلامي، والأحكام المنبثقةمن تصوُّر ديني ما عاد محبَّذاً في الثقافة العلمانية المعاصرة، بدلاً منالتسليم لهذه الأحكام والانقياد لها وأن يقول المسلم ما أمره الله: {إنَّمَاكَانَ قَوْلَ الْـمُؤْمِنِينَ إذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِلِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}[النور:51]، فقد تحوَّلت هذه الأحكام لإشكالية لابد من إعادة قراءتهاوفحصها للخروج منها بالهندام اللائق، وعظمة الله في قلب المؤمن تُرعِدفرائصه وتُرهِب أركان قلبه من التسامح مع أي تحريف لأي حكم شرعي.والغيورون على دين الله من الدعاة والعاملين لنصرة الإسلام هم أَوْلىالناس بتعظيم أحكام الإسلام وتقديرها حقَّ قدرها، وحين يضيق الواقع ويتعسرالحال في تطبيق أي حكم شرعي فلهم في أحكام الضرورة والحاجة مندوحة عنتحريف أي حكم شرعي، فالمتغيرات لها اجتهادها الخاص من دون أن ترجع علىالمفاهيم والمعاني الشرعية بالتغيير والتحريف.


--------------------------------------------------------------------------------
[1] منهاج السنة: 5/130.
[2] ينظر في موقع الجزئيات والفروع من المقاصد: الموافقات للشاطبي: 2/372 - 374.
[3] وقد قيل.
Tags: ,

نبذة عنى:

اسمى : محمد صالح مصطفى أعمل معلم كمبيوتر نبذة عنى : مسلم مصرى أحمل هم هذة الامة وهم الدعوة الى الله أرجوا الله أن يرزقنى الاخلاص فى القول والعمل وأن يرضى عنى

0 التعليقات

أترك تعليق

جديد المدونة