د. راغب السرجاني
أردوجانفي واقع الأمر شخصية مثيرة للغاية؛ فقد رفع الكثيرون درجة التزامه بالدين حتىجعلوه رمزًا دينيًّا صريحًا، وهاجمه الكثيرون في النقطة
ذاتها حتى اتهموه بالعلمانيةالفجَّة؛ بل بالكفر الصريح! وقام كثيرون بتعظيم وطنيته وتقدير حبِّه لبلاده، وقامغيرهم باتهامه بالعمالة للصهاينة وبالتبعية للغرب، وقام فريق ثالث بتعظيم تجربتهالاقتصادية ونموذجه التركي البارز، بينما قام فريق آخر باتهامه بأنه لم يفعل شيئًاللاقتصاد التركي، وأن ما حققه من نجاحات ما هي إلا أوهام يضحك بها على شعبه!!
لقدكان أردوجان شخصية مثيرة لكثير من الجدل..
وأنا-كعادتي- إذا أردتُ أن أفهم شخصية، أو أُحَلِّل موقفًا لا بُدَّ أن أعود إلى جذورقصته، وإلى أصل حكايته..
وقصةأردوجان قصة عميقة في التاريخ.. جذورها تصل إلى الخلافة العثمانيةالكبيرة، وتمرُّ بمراحل متعددة متباينة.. فيها السعادة وفيها الحزن، وفيها النجاحوفيها الفشل، وفيها النصر وفيها الهزيمة.
أردوجان .. مولد زعيم
وُلدالزعيم رجب طيب أردوجان في العاصمة التركية إسطنبول في 26 فبراير 1954م، في أسرةتركية رقيقة الحال[1]،أمضى طفولته المبكِّرة في محافظة ريزه[2]المطلَّة على البحر الأسود؛ حيث كان والده يعمل مع رجال خفر السواحل، وعندما بلغأردوجان الثالثة عشرة من عمره قرَّر والده الانتقال إلى إسطنبول على أمل تحسينوضعه المادي، ولتأمين مستقبل أفضل لأطفاله الخمسة[3].
وفيإسطنبول التحق أردوجان بمدارس إمام وخطيب الدينية Hatip Lisesi، ولدينه وتقواه أطلق عليه لقب "الشيخ رجب"؛ ومِن ثَمَّشارك في حلقات للشيخ أسعد جوشقون شيخ الطريقة النقشبندية في إسطنبول[4].
وفيالمرحلة الثانوية انتقل أردوجان إلى مدرسة أيوب، التي شهدت بدايات اهتماماتهبقضايا الوطن التركي؛ وذلك على خلفية إسلامية تكوَّنت معالمها من دراسته للعلومالشرعية، فنشط أردوجان أثناء دراسته الثانوية في مختلف فروع الاتحاد الوطني لطلبةتركيا[5].
ثمانتقل أردوجان بعد ذلك إلى المرحلة الجامعية، حيث التحق بكلية التجارة والاقتصادبجامعة مرمرة بإسطنبول، واستمرَّ في نشاطه السياسي؛ حيث أصبح رئيسًا لفرع الشبابالتابع لحزب السلامة الوطني الإسلامي[6].وقد تميَّز أردوجان بشخصية قوية ومؤثِّرة جعلته متفرِّدًا بين أقرانه، بجانب حرصهالدائم على التطرُّق للمشاكل الحياتية التي يُعاني منها أبناء الشعب التركي، لاسيما وأن أردوجان نفسه اضطرته الظروف المعيشية إلى العمل في بعض الأعمال والمهنالبسيطة -مثل بيع عصير الليمون والكعك[7]-من أجل جني المال لمساعدة والده ولتوفير مصاريف تعليمه[8].
كذلكعُرف عن أردوجان اهتمامه بالرياضة منذ شبابه المبكِّر؛ حيث كان يمارس لعبة كرةالقدم بانتظام خلال المرحلة الجامعية[9]،هذه المرحلة التي شهدت بداية تألُّق أردوجان وظهور قدراته ومهاراته القيادية بينكوادر الحركة الإسلامية التركية؛ فمن ملاعب كرة القدم انتقل إلى ملاعب السياسة،وانتقل من الاتحاد الوطني للطلبة الأتراك إلى حزب السلامة؛ حيث ترأَّس قسم الشبابفي فرع الحزب التابع لمدينة إسطنبول، بما لفت انتباه الزعيم الإسلامي نجم الدين أربكان،الذي كان يترأَّس حزب السلامة في هذه الفترة، والتقى الزعيم الكبير بالشاب الواعد،الذي نجح في اكتساب ثقة أربكان، وتعدَّدت اللقاءات بينهما إلى أن قام الجيش التركيبتنفيذ انقلابه في عام 1980م، ليشهد أردوجان عن كثب أول مواجهة بين الإسلاميينوالعسكريين[10].
بعدمرور ثلاث سنوات على الانقلاب العسكري وفي 24 إبريل 1983م رُفعت معظم القيود عنالنشاط السياسي، ثم سُمح للأحزاب السياسية بالتشكيل من جديد، وكان من بين الأحزابالتي شُكِّلت في هذه الفترة "حزب الرفاه الإسلامي".
أردوجان في حزب الرفاه
وبالفعلأدار أردوجان فرع الحزب بكفاءة منقطعة النظير، شكَّلت مع مرور الوقت دفعة شعبيةهائلة للحزب في أنحاء إسطنبول[12].
كذلكفقد شهدت هذه الفترة تصعيد أردوجان ليُصبح أحد أعضاء المجلس المركزي لحزب الرفاه؛بما أتاح له المشاركة في اتخاذ القرارات، ولم يكن هذا التألُّق بمعزل عن رعايةالزعيم أربكان وعنايته بتلميذه النجيب؛ حيث صرَّح أربكان بأنه يرى في أردوجانخليفته؛ وذلك لما يراه في تلميذه من إيمان وتصميم وتضحية؛ بل واللافت للانتباه فيهذه المرحلة أن أربكان كان يصف نفسه بالواقعية، بينما كان ينظر إلى أردوجان علىأنه متشدِّد وزائد الحماسة[13].
بعدذلك أصبح أردوجان أحد أشهر قيادات حزب الرفاه، ومن ثَمَّ قام الحزب بترشيحه لعضويةالبرلمان التركي في عام 1991م، إلاَّ أنه لم يستطع الفوز بالمقعد[14].ولكن هذا الإخفاق لم يُثنيه عن مسيرته الإصلاحية، التي تخطَّت ثمارها حدود بلديةبيوجلو؛ لتنتشر في سائر أحياء إسطنبول، وبمرور الأيام علا نجم أردوجان وعُرف عنهفي كافة أنحاء إسطنبول الجدُّ والاجتهاد ومراعاة مطالب أبسط فئات الجمهور، فضلاًعن طهارة يده، وتعفُّفه عن المال العام، وقد تبدَّت معالم هذه الثقة وتكللت بفوزأردوجان في عام 1994م برئاسة بلدية إسطنبول[15]،هذه المدينة الكبيرة العريقة بما تحمله من مكانة تاريخية في نفوس الأتراك، إضافةًإلى أهميتها الجغرافية والسياسية في الساحة التركية.
أردوجان عمدة إسطنبول
لقدأيقظ أردوجان -من خلال إدارته العبقرية للموارد البشرية والشئون المالية- المشاعرالإيجابية لدى أبناء إسطنبول، وأعاد لهم الثقة بأنفسهم وبقدرتهم على النهوضبمدينتهم، فحلَّ مشكلة القمامة لما لها من آثار نفسية محبطة، فضلاً عن آثارهاالصحِّيَّة، كما عالج مشكلة تلوث هواء إسطنبول التي كانت تُؤَرِّق سكانها، واتخذ العديدمن التدابير لضمان استخدام أموال البلدية بحكمة، وحارب الفساد بكل قوَّة، فسدَّدديون إسطنبول التي جاوزت المليارين من الدولارات عند تسلُّمه رئاسة المدينة، بلووفر فائضًا نقديًّا استثمره لصالحها بلغ أربعة مليارات دولار[16].
أردوجان والسجن
إنالإنجاز الذي حقَّقه أردوجان في إسطنبول واضح للعيان، وشهد به الجميع حتى الخصومالسياسيين[17]،ولم يقف هذا التقدير عند المستوى المحلِّي فقط، بل تعدَّاه إلى المستوى الدولي؛حيث تمَّ تكريم أردوجان من قِبَل الأمم المتحدة على ما قدَّمه لإسطنبول خلال فترةولايته[18].
والعجيبفي الأمر أن كل إنجازات أردوجان التي أقرَّ بها القاصي والداني لم تشفع له عندحرَّاس المعبد العلماني التركي؛ فما إن مسَّ أردوجان أحد ثوابت الدولة العلمانيةفي أحد خطاباته، حتى انقلب عليه حراس العلمانية؛ فطردوه من منصبه، وأحالوه إلىالمحاكمة بدم بارد!
ففيزيارة قام بها أردوجان إلى محافظة سيرت Siirt Provinceالواقعة في جنوب شرق تركيا في 12 ديسمبر 1997م، تضمَّن خطابه أبياتًا من الشعرتحمل بعض المعاني الحماسية، نذكر منها:
"مساجدناثكناتنا، قبابنا خوذاتنا، مآذننا حرابنا، والمصلون جنودنا، هذا الجيش المقدس يحرسديننا"[19].
فتسبَّبَتْهذه الكلمات في إدانة أردوجان بتهمة التحريض على الكراهية الدينية، وحكمت عليهمحكمة أمن الدولة بمدينة ديار بكر بالسجن لمدَّة عام، وحرمانه من ممارسة جميعالأنشطة السياسية مدى الحياة[20]!
الخلاف مع حزب الفضيلة
في18 يونيو 1997م قام الجيش التركي فيما سُمِّيَ "بالانقلاب الأبيض"، الذياكتملت معالمه بحظر حزب الرفاه، ولم يكن قرار الحل مفاجئًا للإسلاميين، بل كانوايتوقَّعُونه في أية لحظة. ومن ثَمَّ وضعوا مشروعًا لتأسيس حزب يخلف الرفاه في حالةحَلِّه، حيث تم تأسيس حزب "الفضيلة"، الذي انتخب لرئاسته رجائي قوطان فيديسمبر 1998م[21].
ولذافما إن خرج أردوجان من السجن بعد مرور أربعة أشهر قضاها في محبسه -وذلك بعد حصولهعلى عفو سياسي[22]-إلا وبدأ يُبَشِّر بمشروعه السياسي الجديد للتغيير في تركيا، الذي يقتضي ضرورةتعديل النهج والأسلوب التقليدي الذي تنتهجه الحركة الإسلامية في تركيا.
وكانتالفترة التي أعقبت السجن بمنزلة عهدٍ جديدٍ في حياة أردوجان السياسية، فقد تغيَّرتنظرته للكثير من الأمور، وأصبحت لديه العديد من التحفظات على طريقة أستاذه أربكانفي العمل..
ثمقرَّرت المحكمة الدستورية التركية في يونيو 2001م حلَّ حزب الفضيلة الإسلامي،بتهمه أنه استمرار لحزب الرفاه الإسلامي[23].
لقدجاهد أردوجان زعيمُ شباب الحزب -الذين يُعرفون في الحركات الإسلامية بـ"جيلالوسط"- كثيرًا لتقويم أفكارهم والحدِّ من طموحاتهم؛ حتى لا يحدث صدام داخليبين أبناء الحركة الإسلامية، ولكنه مع مرور الوقت وتفاقم الأزمات التي واجهتهاحركة أربكان، بدأت أصوات شباب الحركة في الارتفاع؛ لتطرح رؤيتها بضرورة تغييراستراتيجية الحركة، وذلك في تعاملها مع الدولة التركية بجميع أطيافها السياسيةوعلى رأسها العسكريون، وأنه حان الوقت للحدِّ من الأسلوب الصدامي الذي يتبعه "شيوخ"الحركة مع المؤسسة العسكرية.
وجاءحلُّ حزب الرفاه، ثم تشكيل حزب الفضيلة، الذي سار على النهج الأربكاني نفسه؛ بعدمافشل جيل الوسط من الفوز برئاسته، ولم تحدث أي محاولات لانشقاق من جانب هؤلاءالشباب طوال هذه الفترة..
إلىأن تمَّ حلُّ حزب الفضيلة ليُؤَكِّد اقتناع جيل الشباب -الذين يُطْلَق عليهم فيتركيا "المجددون المعاصرون"- بحاجة الحركة الإسلامية إلى إعادة ترتيبأوراقها بما يُناسب الحالة التركية.
تأسيس حزب العدالة والتنمية
لميتوقَّف أردوجان ولم يتراجع عن أفكاره، التي اقتنع أنها السبيل الأنجع للإصلاح فيتركيا، ومضى في طريقه الذي حدَّده لنفسه بقوة وعزم أكيد، ولم يكن بمفرده؛ فقد كانمعه عبد الله جول أقرب أصدقائه إلى نفسه، وكذلك زوجته أمينة المحجبة الملتزمةبتعاليم الإسلام، التي تزوجها في عام 1978م.
ومنهنا كان تأسيس هذا الجيل الجديد بقيادة الزعيم الشاب أردوجان لحزب جديد، واختارواله اسمًا موحيًا وهو "العدالة والتنمية"، بينما سار "شيوخ"الحركة في اتجاه تأسيس حزب جديد آخر باسم "السعادة" على النهج الأربكانينفسه في الأحزاب الأربعة التي سبقته[24].
وللحقِّ..فقد أثار خروج مجموعة أردوجان وجول الكثير من اللغط والبلبلة، التي اخترقت آثارهاالحدود التركية، وعلى كل الأحوال وبغضِّ النظر عن الآراء المتضاربة في هذا الشأنفإنه -إحقاقًا للحقِّ- بمرور السنوات وتتابع المواقف نستطيع أن نقول باطمئنان: إنتجربة حزب العدالة والتنمية التركي وعلى رأسها الزعيم رجب طيب أردوجان، أصبحت مصدرفخر وعزَّة لكل مسلم، ليس في تركيا فقط، بل وفي العالم بكامله.
تركيا قبل تسلم أردوجان الحكم
استقبلتالدولة التركية الألفية الثالثة بوضع مأساويٍّ بحقٍّ، ويشهد حالة فريدة منالتردِّي أصابت كافَّة قطاعات الدولة، لا سيما بعدما انتهت الدورة البرلمانية1999- 2002م بصورة أقرب إلى الفوضى، فنظرًا لتوالي الفضائح وتفشِّي الفساد، فضلاًعن وضع اقتصادي يُداني الإفلاس؛ مما قاد إلى انهيار البورصة التركية، وحدوث أزمةاقتصادية طاحنة في فبراير 2001م[25].
إلىجانب مشكلة البطالة كأحد مظاهر الأزمة الاقتصادية الطاحنة، كانت قضية الحجاب واحدةمن أسخن القضايا الداخلية المطروحة بقوَّة على الساحة السياسية التركية لمدةالعشرين عامًا الأخيرة من القرن الماضي، ومع ذلك فلم تصل هذه المشكلة إلى حلٍّنهائي، هذا إضافة إلى القضية الكردية كأحد أكبر المشاكل التي تُواجه أي حكومةتركية؛ فكلمة "الأكراد"تحمل في طياتها حساسيات كثيرة في تركيا.
وكماكانت الأوضاع الداخلية تُواجِه العديد من التحديات الجسيمة، كان هناك العديد منالقضايا الخارجية الشائكة في انتظار الحسم؛ لا سيما قضية التعامل والتنسيق معصندوق النقد الدولي وملف الانضمام إلى الاتحاد الأوربي، وموقف تركيا من الأزمةالعراقية الأمريكية.
حكم أردوجان
انتخابات 2002وتغيير الخريطة السياسية التركية
أُجريتالانتخابات البرلمانية التركية في 3 نوفمبر 2002م لتحدث المفاجأة الكبرى،ويُحَقِّق حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوجان -رئيس بلدية إسطنبولالسابق- نصرًا ساحقًا فاق أكثر استطلاعات الرأي تفاؤلاً؛ وذلك بحصوله على نسبة34.2٪ من أصوات الناخبين، بما يُعادل 363 مقعدًا في البرلمان التركي من أصل 550مقعدًا[26]!
ماذا فعل أردوجان في التبعة الثقيلة ؟
استوعبحزب العدالة والتنمية بقيادة أردوجان الدرس جيدًا، فتجنَّب كل ما يُفضي إلى تجدُّدالصدام مع العسكر ومعبدهم العلماني، بل عمل على كسب ثقتهم -وهو ما لا يمكن تحقيقهمع استمرار زعامة أربكان، الطرف المباشر في ذلك الصدام-[27].
وفيالوقت نفسه وبشكل متوازٍ أعطى أردوجان الأولوية للعلاقة مع أوربا وللنهوضبالاقتصاد، وتجنُّب إثارة المعارك حول بعض القضايا الحساسة؛ مثل الحجاب، باعتبارهمن أسخن ساحات الصراع بين التيار الإسلامي والتيار العلماني بحماية من الجيش؛ لذاجاء تصريحه الأول بعد الفوز في الانتخابات بأن حزبه سيلتزم بالمبادئ العلمانيةالتي ينصُّ عليها الدستور التركي[28].
والذيلا يفقه الواقع التركي قد يأخذ على أردوجان مثل هذا التصريح، ولكن أردوجان كانيعلم أنه يعيش في دولة تملؤها التناقضات؛ فتركيا خليط من إسلام وعلمانية، عثمانيةوأوربية، دكتاتورية وديمقراطية، حكم الشعب وحكم العسكر، شارع يملؤه الإسلام ودستوريحاربه!
بدأأردوجان ولايته الأولى للحكومة التركية عازمًا على تحقيق نهضة شاملة في مختلفجوانب الحياة بتركيا؛ وذلك بغرض تثبيت أركان حكومته من جهة، وتأهيل الدولة التركيةلاسترجاع هيبتها ومكانتها على المستوى الإقليمي والدولي من جهة أخرى.
وقدنجح أردوجان بالفعل في فترة حكومته الأولى في تحقيق طفرة واضحة، بدت معالمها جليةفي العديد من قطاعات الدولة التركية، ولم يأتِ هذا النجاح من فراغ، بل كان نتاججهد وعرق على مختلف الأصعدة، ولكن إذا أردنا أن نضع أيدينا على سرِّ النجاح الكبيرالذي حقَّقه أردوجان في هذه المرحلة، فيمكننا تحديد أربعة جوانب كانت على رأساهتمامات حكومة حزب العدالة الأولى؛ تأتي في مقدمتها "تحسين الوضعالاقتصادي"، ثم عقد "هدنة سياسية" مع كافة عناصر المجتمع التركيوقواه السياسية، و"تحييد العامل الخارجي" عن طريق بثِّ رسائل تطمينيةللمجتمع الدولي؛ وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا، وأخيرًا "إعادةالنظر في ملف العلاقات التركية مع دولة الكيان الصهيوني".
الانتخابات البرلمانية لعام 2007
تمكَّنحزب العدالة والتنمية التركي من تحقيق فوز ساحق في الانتخابات البرلمانية التي جرتفي 22 يوليو 2007م؛ إذ حصل على 47٪ من أصوات الناخبين الأتراك في زيادة لافتة عنالنسبة التي حصل عليها في عام 2002م[29]؛بما شكَّل تجديدًا لثقة الشعب التركي في حكومة العدالة والتنمية وسياساتهاوتوجُّهاتها، وخاصة في ضوء نسبة مشاركة شعبية عالية بلغت 85٪.
وقدمكَّنت هذه النسبة حزب العدالة والتنمية من تشكيل حكومة بمفرده، بعدما شغل 341مقعدًا من البرلمان التركي الجديد، ويعود السبب في تراجع عدد مقاعد العدالةوالتنمية عن انتخابات 2002م إلى زيادة عدد الأحزاب الممثلة في البرلمان إلى ثلاثةأحزاب؛ هي: حزب الشعب الجمهوري بزعامة دينيز بايكال بواقع 119 مقعدًا، وحزب الحركةالقومية 70 مقعدًا، إلى جانب حزب العدالة والتنمية صاحب الأغلبية، وبالإضافة إلى24 مقعدًا للمستقلين[30].
وقامأردوجان على الفور بتدعيم هذا الانتصار عن طريق دفعه برفيق دربه عبد الله جول-وزير خارجية حكومة أردوجان الأولى- إلى الترشُّح لمنصب الرئاسة التركية بعدانتهاء مدَّة الرئيس التركي المقرَّرة في نهاية أغسطس 2007م[31]،أي بعد الانتخابات البرلمانية بشهر واحد فقط، وهذا ما نجح في تحقيقه لكونه بمثابةالضربة الثانية لنظام أتاتورك في مدة قياسية!
أدَّىعبد الله جول القَسَم الرئاسي في 28 أغسطس 2007م؛ ليُصبح الرئيس الحادي عشر للدولةالتركية القومية، بعدما حصل على تأييد 337 نائبًا من البرلمان التركي[32]، وذلك فيمناسبة اعتُبرت تاريخية؛ بسبب ماضي جول السياسي كإسلامي متمرِّس في السياسة؛ سواءمع أستاذه أربكان، أو بعد مساهمته في تأسيس حزب العدالة والتنمية مع الزعيم الجديدأردوجان.
حكومة أردوجان الثانية
لمتكن الإنجازات التي حققتها حكومة أردوجان الأولى مجرَّد طفرة وقتية، أو مشروعاتنفَّذتها الحكومة بهدف الدعاية الإعلامية للحزب وزعيمه، بل كانت الخطوات الأولى فيطريق طويل رسمه أردوجان وصحبه من المخلصين؛ لإنقاذ تركيا وانتشالها من هوَّة الجهلوالفقر والفساد والانحلال الأخلاقي، وتحقيق نهضة حقيقية في كل المجالات. لذا فقداستمرَّ عطاء أردوجان وحكومته بالكفاءة والقوَّة نفسها، بل وأفضل بعدما حصل علىثقة شعبه، فانطلق ليُكمل مسيرته ويُعَزِّز انتصاراته وإنجازاته في كل المساراتالتي بدأها في حكومته الأولى.
أردوجان وأوغلو
ولناهنا وقفة.. فأردوجان لا يُنَحِّي الكفاءات جانبًا ويكتم على أنفاسها؛ مخافة أنتُنافسه يومًا على السلطة، بل إنه قام على فوره بتصعيد أحمد داود أوغلو من كونهأحد مستشاريه إلى هذا المنصب الحساس؛ بعدما فطن إلى قدرته وكفاءته؛ فأردوجان-المتجرِّد- يعلم أن نجاحه من نجاح الآخرين، وأن الهدف هو النجاح في تحقيق النهضة،ومن ثَمَّ إعلاء القيم الإسلامية باعتبارها أساس تجربة العدالة والتنمية.
ليسالمهم مَن الذي سيصل إلى الهدف ويُعيد للإسلام عزَّته، بل الأهم هو النجاح فيالوصول إليه، وهو على يقين بأن أجره لن يضيع، فإذا لم يُعطِ الناسُ لأردوجان حقَّهفي الدنيا، فإن الله عز وجل يعلم ويرى، وسيُكافئه بما يستحقُّ في الآخرة.
هكذافتح أردوجان الطريق أمام الكفاءات..
بلوأكثر من ذلك، فإن أردوجان ورئيس الجمهورية عبد الله جول لا يخاطبان أوغلو هذاالأكاديمي المتديِّن إلا بلقب الأستاذ[33].
أردوجان .. والثورات العربية
عندماحدثت المفاجأة وثار المارد العربي، لم يُخَيِّب أردوجان الآمال التي تعلَّقت به،واختار من اللحظة الأولى الانحياز إلى الشعب العربي المسلم وخياراته، وكان موقفهالمؤيِّد والمناصر لمطالبهم المشروعة واضحًا وصريحًا من اللحظة الأولى لتفجُّرالثورات العربية، التي بدأت شرارتها من تونس الشقيقة ثم مصر، ثم لتنطلق بعد ذلكلتُصبح عاصفة من الثورات، التي أشكُّ في نجاة أحد الحكام الطغاة بعالمنا العربي منآثارها.
كانت الثورة التونسية البداية..
وكانتمحطَّ إعجاب وتقدير الزعيم التركي، ولم يتوقَّف الأمر لدى أردوجان وحكومته عندالدعم المعنوي -على أهميته- بل ذكر "أقين ألجان" سفير تركيا في تونس منأن اللجنة التركية التي وفدت إلى تونس بعد الثورة بمشاركة 20 ممثلاً للوكالاتالسياحية التركية -وذلك بعد أسبوعين من نجاح الثورة التونسية-قد اتخذت قرارًا بتدعيم قطاع السياحة التونسي[34].
الموقف التركي من الثورة المصرية
أمَّابالنسبة للموقف التركي من الثورة المصريةفقد كان مبنيًّا على استراتيجية ثابتة وواضحة، لا تضارب فيها ولا تباين، ولقداتخذت تركيا بقيادة أردوجان موقفًا موحَّدًا وثابتًا أثناء جميع مراحل الثورة فيمصر، ألا وهو الانحياز إلى الشعب المصري ومطالبه العادلة.
وبعدأن نجحت الثورة المصرية،وأجبرت الرئيس مبارك على التنحِّي، قال أردوجان في خطاب ألقاه في سقاريا يوم 12فبراير 2011م، وهو اليوم التالي مباشرة لتنحِّي الرئيس حسني مبارك:
"إننانعيش مع الشعب المصري أفراحه وأتراحه، وإننا سنتخذ الخطوات اللازمة من أجل مصر،وإن مصر ستخرج من هذه الفترة أقوى وأعظم، فيوجد بيننا وبينهم علاقة أخوة، وإنناسنستمر في دعم الاستقرار والأمن الداخلي في مصر، وأنا من هنا أُرسل سلامي وسلامشعبي من نهر سقاريا إلى نهر النيل، وإلى القاهرة"[35].
ولمتكتفِ تركيا بهذه التصريحات؛ ولكن همَّت باتخاذ خطوات فعلية لتوضيح موقفها من مصر؛فقد قام رئيس جمهورية تركيا عبد الله جول بزيارة لمصر يوم 4 مارس، وهو أول رئيسجمهورية يزور مصر بعد الثورة، وأكَّد خلال زيارته على أهمية تخطِّي مصر للأوضاعالسياسية والاقتصادية الراهنة، واستعادة دورها الإقليمي، كما أكَّد -أيضًا- حرصبلاده على تقديم الدعم القوي لمصر خلال المرحلة الانتقالية، وزيادة آفاق التعاونمعها في ظلِّ الصداقة المتميزة التي تجمع الشعبين الشقيقين[36].
وهذاالموقف التركي المؤيد والداعم للثورة التونسية ثم المصرية هو نفسه الموقف المؤيدوالداعم بقوة للثورات العربية في اليمن وليبيا وسوريا.
الانتخابات البرلمانية الأخيرة في يونيو 2011
لقدكانت بالفعل الانتخابات التركيةنقطة فارقة لأردوجان ولحزب العدالة والتنمية التركي ولتركيا، بل وتتعدَّاهم إلىمستقبل الإسلام في العالم كله..
وفيهذه الانتخابات كان حزب العدالة والتنمية الحاكم واضحًا إلى أقصى درجة؛ حيث صرَّحبأنه في حال تجديد الأتراك لثقتهم فيه لدورة ثالثة فسوف يقوم بإعداد وصياغة دستورجديد!
كذلكتعهَّد أردوجان بجعل تركيا واحدةً من أكبر عشرة اقتصاديات في العالم بحلول عام2023م، وجعل هذا الأمل هو شعار حملته الانتخابية. كما لم يخلُ المشهد السياسيالتركي قُبيل الانتخابات من مدٍّ وجزرٍ بين حزب العدالة والتنمية الحاكم وبقيةأحزاب المعارضة الرئيسية، وأبرزها حزب الشعب الجمهوري، وحزب الحركة القومية، وحزبالسلام الديمقراطي الكردي.
حزب العدالة والتنمية يفوز بالأغلبية الثالثة
وقدتعهَّد أردوجان بأن تعمل حكومته لصالح جميع الأتراك من كافَّة الأطياف السياسيةوالعرقية والطائفية؛ فقال مخاطبًا الأتراك جميعًا: "سواء أدليتم بأصواتكملحزب العدالة والتنمية أم لا... فإن الفائز الحقيقي في انتخابات 2011 هيتركيا"[37].
ثميُهدي نصره إلى الشعوب الإسلامية والأراضي المحتلة، فيقول: "بقدر ما انتصرتإسطنبول انتصرت سراييفو، وبقدر ما انتصرت أزمير انتصرت بيروت، وبقدر ما انتصرتأنقرة انتصرت دمشق، وبقدر ما انتصرت ديار بكر انتصرت رام الله ونابلس وجنين والضفةالغربية والقدس وغزة، وبقدر ما انتصرت تركيا انتصر الشرق الأوسط والقوقاز والبلقانوأوربا"[38].
أردوجان في عيون العالم
نجحأردوجان على مدار السنوات العشر السابقة في إثارة إعجاب شعوب العالم بكامله علىاختلاف أعراقهم وأديانهم وتوجهاتهم الفكرية، بل ومستوياتهم الاجتماعية والثقافية..
ففيعام 2006م حصل أردوجان على "وسام التتار" من رئيس الوزراء الروسيفلاديمير بوتين، وفي فبراير 2007م حاز جائزة "رعاية الحوار بينالثقافات" من الرئيس التتري منتيمير شايمييف[39].وفي أكتوبر 2009م حصل أردوجان على وسام "الشرف الرفيع" من دولة باكستان،كما حاز في مارس 2010م على جائزة "الحريري" من جمعية رفيق الحريرياللبنانية[40].
كذلكفقد منحته المملكة العربية السعودية "جائزة الملك فيصل"العالمية لخدمة الإسلام لعام 2010م، وهي الجائزة التي نالها العديد من كبارالعلماء والمفكِّرين في عالمنا العربي والإسلامي.
أمَّاعلى الصعيد الإعلامي فما زال أردوجان منذ تولِّيه يُعَدُّ من نجوم الإعلام، ولانقول في عالمنا العربي والإسلامي فقط، بل على مستوى وسائل الإعلام العالمية أيضًا؛فقد اختِير رئيس الوزراء التركي -رجب طيب أردوجان- ليكونَ رجلَ عام 2010م بغالبيةساحقة؛ وذلك في نتيجة تصويت أجراه موقع وكالة "سي إن إن" الإخباريةالأمريكية، وقالت الشبكة في تعقيبها على نتيجة الاستبيان: إن اختيار أردوجان يعكسالمزاج العام للشارع العربي، الذي يشهد صعود نجم أردوجان والدبلوماسية التركيةعمومًا، لا سيما منذ أحداث الهجوم على "أسطول الحرية"..
كمااختارته مجلة "تايم" الأمريكية في عام 2010م -للمرة الثانية- من بينأكثر 100 شخصية نفوذًا في العالم[41].
لقداستطاعت تركيا الحديثة بقيادة حزب العدالة والتنمية أن تحفر لنفسها مكانًا ومكانةمعتبرة على الساحة العالمية..
وأردوجانما زال نجمه في صعود دائم ومستمر..
فإذاأضفنا لذلك ما حبا الله به تركيا من إمكانات هائلة، وموقع جغرافي متميز، وتاريخمشرِّف، وجذور عميقة جدًّا، فإننا نتوقَّع لتركيا دورًا ملموسًا ومؤثرًا في حياةالبشرية بكاملها، ليس على المدى البعيد بل في السنوات القليلة القادمة!!
إنوجود شخصية مثل أردوجان لهاكاريزما واضحة، وله مواقف إسلامية بارزة، وجدنا تعاطفًا عربيًّا واضحًا معه منأقصى الشرق إلى أقصى الغرب، وقد يكون هذا أحد أهم أسباب التقارب النفسي بين العربوالأتراك.
روابطذات صلة:
[1] الموقعالرسمي لحزب العدالة والتنمية التركي.
[2] محافظةريزه: إحدى محافظات تركيا التي تقع في الشمال الشرقي، تطل على البحر الأسود،وعاصمتها مدينة ريزه، تبلغ مساحتها 3.792 كم2، ويبلغ عدد سكانها 365938 نسمة.
[3] من هو رجبطيب أردوجان؟ هيئة الإذاعة البريطانية، 4 نوفمبر 2002م.
[4] الأردوجانيةنسمة أم عاصفة؟ صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، 11 يونيو 2010م، العدد 11518.
[5] الموقع الإلكترونيالشخصي لرجب طيب أردوجان.
[6] زعماءالعالم.. قصة حياة أردوجان، جامعة كولومبيا الأمريكية.
[7] من هو رجبطيب أردوجان؟ هيئة الإذاعة البريطانية.
[8] الموقع الإلكترونيالشخصي لرجب طيب أردوجان.
[9] المصدرالسابق.
[10] من هو رجبطيب أردوجان؟ هيئة الإذاعة البريطانية.
[11] الموقعالرسمي لحزب العدالة والتنمية.
[12] المصدرالسابق.
[13] محمد نورالدين: أربكان وأردوجان الواقعي والأكثر واقعية، صحيفة الشرق الأوسط، 29 يوليو2005م، العدد 9740.
[14] أردوجانالسياسي الأكثر شعبية في تركيا، شبكة محيط، 18 نوفمبر 2007م.
[15] الأردوجانيةنسمة أم عاصفة؟ صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، 11 يونيو 2010م، العدد 11518.
[16] الموقعالرسمي لحزب العدالة والتنمية.
[17] من هو رجبطيب أردوجان؟ هيئة الإذاعة البريطانية.
[19] الأردوجانيةنسمة أم عاصفة؟ صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، 11 يونيو 2010م، العدد 11518.
[20] المصدر:تقرير منظمة هيومان رايتس ووتش الأمريكية لحقوق الإنسان لعام 1999م، التقرير منشورعلى الموقع الإلكتروني للمنظمة.
[21] وليد رضوان:تركيا بين العلمانية والإسلام ص277.
[22] الموقعالرسمي لحزب العدالة والتنمية.
[23] مقابلة معرجائي قوطان رئيس حزب الفضيلة التركي، قناة الجزيرة الفضائية، 26 يونيو 2001م، نصالمقابلة منشور على موقع القناة.
[24] كمال حبيب:الدين والدولة في تركيا ص312.
[25] ميشيلنوفل: عودة تركيا إلى الشرق.. الاتجاهات الجديدة للسياسة التركية ص65.
[26] صحيفةالبيان الإماراتية، 5 نوفمبر 2002م.
[27] راشدالغنوشي: العدالة التركي.. تجاوز أم تطور؟ مجلة العصر الإلكترونية، 1 سبتمبر2007م.
[28] هيئةالإذاعة البريطانية bbc، 4نوفمبر 2002م.
[29] صحيفةالشرق الأوسط اللندنية، 23 يوليو 2007م، العدد 10464.
[30] أخبارالجزيرة نت، 23 يوليو 2007م.
[31] رسالةأنقرة، صحيفة الأهرام المصرية، العدد 44078.
[32] صحيفةالشرق الأوسط اللندنية، 29 أغسطس 2007م، العدد 10501.
[33] محمد سعدأبو العزم: أوغلو يضرب في العمق، صحيفة المصريون الإلكترونية، 10 نوفمبر 2010م.
[34] صحيفةتركيا اليوم الإلكترونية، 31 مايو 2011م.
[35] حازممنتصر: تركيا وثورة مصر، صحيفة الأهرام، 1 إبريل 2011م.
[36] صحيفةالشرق الأوسط اللندنية، 4 مارس 2011م، العدد 11784.
[37] أردوجان فيكلمة النصر: تركيا هي الفائزة في الانتخابات، وكالة cnnالعربية، 13 يونيو 2011م.
[38] موقعالمسلم، 13 يونيو 2011م.
[39] صحيفةتركيا اليوم، 10 يناير 2011م.
[40] صحيفةالحياة اللندنية، 3 مارس 2010م.
[41] صحيفةتركيا اليوم، 10 يناير 2011م.
0 التعليقات